a
 
العيد فرح ... فرح الانسان بالايمان وفعله للخير .. نتمنى لكم الفرح الدائم وكل عام وانتم بخير.
 

سجل عضويتك لنرسل لك آخر القوانين والمراسيم التشريعية النافذة.

 
d
السوري .. ومأزق التقسيط ...
شهر الصيام شهر "تعبئة البطون "في الميدان
عيدية دعبول لعماله...طرد 50 عاملاً
 
a
منيف - الامارات
 
s
في حماة شاب يقتل زوجة أبيه ويجرح ابنيها وآخر يطعن جارته ويحاول اغتصابها
اكتشاف فحم اركيلة مستورد مغطس بمواد كيمائية تسبب السرطان
500 حالة اغتصاب جماعي في الكونغو خلال شهر واحد
بعد حكمها السابق بالرجم حتى الموت....محكمة إيرانية تعلق حكم إعدام المرأة المتهمة بالزنى والقتل
الرئيس الأسد يتبادل التهاني مع ملوك ورؤساء وقادة الدول العربية والإسلامية بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد
طالب سوري موفد لصالح جامعة حلب ينشر طريقة مبتكرة لمعالجة مرض " باركنسون "


اخبار القضاة  
حملوا الأمانة الأصعب.. العدل قضاة متقاعدون وذكرياتهم مع.. « حكمت المحكمة»

Imageيعدُّ القاضي من أكثر الأشخاص تعرُّضاً إلى المواقف المؤثِّرة والمحرجة والغريبة في آنٍ؛ نظراً إلى حساسية المركز الذي يتبوَّأه والذي يفرض عليه الالتزام بالقوانين والتشريعات وإحقاق الحق والعدالة، بغضِّ النظر عن مشاعره الداخلية وعواطفه وأحاسيسه تجاه من يطلق عليه الأحكام، والتي ربما كان لها دور كبير في تغيير مجرى حياة العديد من الأشخاص، سواء كانوا ظالمين أم مظلومين.


حكم عليهم بالإعدام فهتفوا (يحيا العدل.. يحيا العدل!!)
 خلال لقاءاتنا مع بعض القضاة المتقاعدين في اللاذقية، ليحدِّثونا عن بعض الأحداث الغريبة والطريفة التي عايشوها خلال حياتهم المهنية، أكَّد لنا القاضي المتقاعد الأستاذ (سعد الخطيب) أنَّ القاضي الذي يتمتَّع بقوة الشخصية ويكون حازماً وعادلاً في مهنته، لا يمكن أن يتعرَّض إلى أيِّ موقف يمكن أن يسيء إليه أو إلى سمعته.. فيما يعتقد القاضي المتقاعد الأستاذ (محمد نزار حميدان) الذي كان يضع نصب عينيه دائماً «إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكَّر قدرة الله عليك، أنَّ نزاهة القاضي وأخلاقه وأحكامه العادلة تبعده عن أيِّ مشكلة يمكن أن يتعرَّض إليها خلال حياته المهنية التي لا تخلو من بعض الصعوبات والمشاكل.
ويروي لنا القاضي (حميدان) بعض الأحداث الطريفة التي مرَّت معه أثناء فترة عمله في القضاء، والتي امتدَّت لـ46 عاماً، ففي فترة عمله رئيساً لمحكمة الجنايات في طرطوس حكم على ثلاثة أشخاص بالإعدام بعد اعترافهم بأنهم قتلوا زميلاً لهم، وبعد أن أطلق عليهم حكم الإعدام فرح المحكومون بنتيجة الحُكم، وردَّدوا «تحيا العدالة.. تحيا العدالة.. تحيا العدالة»، لأنَّ المحكومين كانوا حينها نادمين على فعلتهم، ويريدون أن ينالوا جزاء ما اقترفت أيديهم. ويقول القاضي (حميدان) بأنها القضية الوحيدة التي حكم فيها بالإعدام طوال فترة حياته المهنية.. ومن القصص الطريفة التي رواها لنا القاضي المتقاعد (محمد نزار حميدان)، أنه حكم على أحد المتّهمين بالسجن مدة 9 سنوات بجرم السرقة والقتل، وعندما أطلق عليه الحكم سأله لماذا قمت بهذا الجرم؟، فأجابه المتهم بأنَّ السبب يعود إلى عهدٍ مع نفسه في الماضي، وعندما استفسر القاضي عن ذلك العهد، أجاب المتّهم: «سُجنتُ سابقاً لفترة طويلة بعد اتّهامي بالسرقة والقتل، وكنت بريئاً حينها، وقد ظهرت براءتي بعد 9 سنوات من السجن!، وحين خرجتُ عاهدتُ نفسي على ارتكاب نفس الجُرم الذي سُجنت لأجله كلَّ تلك المدة»..
وعن كيفية تعامله مع الناس قبل وبعد تقاعده، قال القاضي (حميدان)، إنَّ تعامله مع الناس كان ولا يزال يعتمد على الاحترام المتبادل، وتعامله مع الناس لم يختلف لا قبل تقاعده ولا بعده، فهو يتعامل مع الآخرين بأخلاقيات القاضي، حتى إنه علّم أولاده التعامل مع الناس بنفس الطريقة؛ وهي احترام الآخرين.
ونفس الكلام يؤكِّده القاضي الأستاذ (سعد الخطيب) الذي لم يُشعِر أحداً من أهله أو أصدقائه بأنه قاضٍ، بل يتعامل مع الناس بكلِّ بساطة ومحبة واحترام للآخرين، حتى إنه كان يتعامل بهذا الأسلوب مع المحكومين أيضاً، لأنهم بشر في النهاية، وكلُّ إنسان خطّاء، فالمنصب لا يصنع إنساناً، وإنما الإنسان هو الذي يصنع نفسه بعمله وأخلاقه.
وأضاف الخطيب: «يجب أن يتمتَّع القاضي بالمثالية في حياته الاجتماعية، وحتى الشخصية، لأنه شخص اعتباري من وجهة نظر الناس، ويجب أن يكون على قدر المسؤولية التي أوكلت إليه، وهذه المثالية تعطي ثقة الناس بالقاضي وبأحكامه التي يطلقها، وتلك نقطة يجب أن يتمتَّع بها كافة القضاة».
 
  لم أظلم أحداً..
وعندما سألنا القاضي (سعد الخطيب): هل قال لك أحد المحكومين بأنك ظلمته في الحكم الذي أصدرته عليه؟، أجاب: «الحمد لله، لم تحدث معي تلك الحادثة ولا مرة طوال فترة حياتي المهنية التي امتدَّت قرابة 36 عاماً، كما أنَّ معظم الأحكام التي أصدرتها وجاء بها طعن أو استئناف لم تتغيَّر بعد إعادة النظر في الحُكم، لأني كنت أدرس القضايا بدقة متناهية، وكنت أبتعد تماماً عن أيِّ ضغوط، وأضع مشاعري وأحاسيسي جانباً».. وأضاف: «عندما كنت في محكمة النقض، وحين أشعر في قرارة نفسي بأنَّ هذا المتهم بريء ولكن كافة الأدلة تدينه، كنت أطلب إعادة القضية إلى الغرفة الجنائية للتوسُّع في التحقيق واستكمال الأدلة والبحث، حتى لا نظلم أحداً، وحتى يرتاح ضميري، وهنالك العديد من القضايا التي تَغيَّر مجرى التحقيق فيها بعد طلب إعادة التحقيق، ومعها تتغيَّر الأحكام، وهنا كنت أشعر بالسعادة والفخر لأني لم أظلم هذا الشخص».. 
 
Image    رئيس قضايا الدولة في طرطوس: «من أصعب اللحظات عندما كنت أقف أمام الحق عاجزاً»..  
«أنا مؤتمن على هذه الدعاوى، فلا يكون الأمين خائناً.. إنها قضايا الدولة، وما أكثر المخاطر المحفوفة بطريق قاضٍ أو محامٍ فيها، ولكن يبقى القلب واليدان النظيفتان والقويتان، قادرة على حمل أمانة أساسها وهدفها وحلمها العدل»..
الأستاذ حسن خليل، هو محامٍ منذ 1962، ومتقاعد في 2001، ورئيس قضايا الدولة في طرطوس لحوالي 16سنة.. سنوات تركت في القلب والنفس أكثر بكثير مما تركت في الجيب، ولكن السمعة الطيبة والعدل لا يفنيان، والروح المتصالحة لا تعلوها نشوة بعد التقاعد، حيث لا يبقى إلا ما ترك للأبناء..
يتذكَّر المحامي والقاضي حسن خليل قضايا الدولة، ويغصُّ قائلاً: «بسبب إهمال الدوائر الرسمية، كانت الدولة تتكبَّد أضراراً كبيرة، حيث تَشُقُّ أراضي دون استملاك، أو لا تعطي لموظف ما الحد الأدنى من الراتب، أو تخسر أهم أراضيها، إضافة إلى انعدام الخبرة لدى مديري الشؤون القانونية فيها، وبعدها يقولون للمحامي العام، اذهب ودافع عني»..
من أصعب لحظات حسن خليل، عندما كانت تعلن الخسارة لقضية دولة، حيث كان يقف أمام الحق عاجزاً، وكلُّ ذلك نتيجة أخطاء جهات رسمية يستغلُّها الخصم..
ورئيس قضايا الدولة لا ينسى القضية التي هزّت قضايا الدولة في طرطوس؛ عندما زُرعت أراضٍ كبيرة للدولة في صافيتا، واتُّهِم فيها محامو الدولة بالتقصير، وأحيلوا إلى التفتيش على إثرها..
الجدية التي تحلَّى بها لم تترك للطرفة مكاناً في عمله، ولكنه يتذكَّر الخطوط المنحنية التي رسمها أحد المحامين على يده، كما أنه رسم خطاً مستقيماً واحداً، وقال له أمام الجميع: «أنت المستقيم، إذاً أنت الشاذ»، فتعالت الضحكات وسط المحكمة، وبقيت ملاصقة له طوال عمله..

هزَّات وغصّات
هزّ المحامي والقاضي حسن خليل رأسه عند سؤاله عن القضية التي حفرت لنفسها مكاناً في الذاكرة والقلب، وكيف ينساها وهي التي خسّرت الدولة ملايين الليرات؛ عندما جاء خبراء إلى مجلس مدينة طرطوس لتقدير الأضرار الناتجة عن قيامه بمشروع، وإذ بالأسعار الخيالية غير المنطقية أبداً أدَّت إلى خسارة الدولة مئات الملايين على أراضٍ لا تساوي كذلك بالمطلق..
«نعم، يضعون الدولة في موقع الضعيف.. يحيطون الأراضي بشريط، ويضعون الأردام في أراضي الغير، بلا مبالاة بالملّاك»..
هذه الدعاوى ربما كانت مغرية للرشاوى والفساد، ولكن رئيس قضايا الدولة أجاب ضاحكاً: «نفذ الأرنب»، ويتابع: «كنت أريد أن تأخذ الدولة حقها بالخطأ والصواب، وكنت في أمسِّ الحاجة، وتعفَّفت وهنا تظهر العفة، كنت أريد من عائلتي أن تتحمَّل الوضع المادي الصعب الذي كنت أعيشه بوجود خمسة أولاد، لكي لا يقولوا لهم أولاد حرامي.. نعم تعرَّضت إلى عشرات الرشاوى وبطرق شتى وعن قضايا مختلفة، ولكن رفضتها بالمطلق، ويكفيني هذا المنزل البسيط، وإن كنت لا أملك سيارة أو أرضاً أو بناء أو شاليهاً، فكلُّ ذلك لا يعنيني أمام شرف عملي، وتصالح روحي»..
أما ما ترك غصّة في حلق رئيس قضايا الدولة في طرطوس ولمدة 16 عاماً، هو إهمال وزارة العدل لقضايا الدولة التي تركتهم لسنوات طويلة في مقرٍّ ضيق جداً، حتى إنَّ بعض المحامين كانوا لا يجدون طاولة ليكتبوا عليها، بينما كان عدد القضايا بالمئات، وعدد المحامين أربعة فقط، حيث يتذكَّر حسن خليل الذي كان يسكن في بانياس كيف كان يركب الباص الممتلئ عن آخره، وينزل في عدة محطات حتى يصل إلى منزله، بينما كان يقف في المحكمة منذ الصباح الباكر وحتى الساعة الثانية على رجليه دون أيِّ كرسي، ومن ثم يهرع إلى قضايا الدولة حتى يرحلها في الوقت اللازم ويضعها في الأضابير، ومن ثم التحضير لدعاوى اليوم الثاني، ما أدَّى إلى أنه لم تعط كل قضية حقها.. ناهياً كلامه قائلاً: «الصغير والصغير عندما يجتمعان يصبحان شيئاً كبيراً».. 
 
Image  صفحة من ذكريات القضاة المتقاعدين في الرقة
«هي مهنة لا تسمو عليها مهنة أخرى، عمادها العدل والإنصاف، وخرابها الجور والظلم، وما يزيد من رفعتها أنها الفصل في تمييز الظالم عن المظلوم، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، إنها مهنة إنسانية في المقام الأول، وهي من عوامل استقرار المجتمع وتحقيق طمأنينته إذا ما توافرت لها الاستقلالية التامة».
بهذه العبارات، استهلَّ القاضي السابق (محمد صادق كدو) حديثه لنا، واصفاً مهنة القضاء التي أمضى في جنباتها نحو 30 عاماً عايش من خلالها كلَّ صغيرة وكبيرة في مجال هذه المهنة.
بدأ (الكدو) رحلته مع القضاء منذ مطلع ستينات القرن الماضي، وعمل رئيساً لمحكمة الاستئناف في الرقة أكثر من 15 عاماً، واستمرَّ على رأس عمله حتى العام 2000، حين أُحيل إلى التقاعد، وعاد بعدها ليعمل في سلك المحاماة، وهي المهنة التي بدأ بها مسيرة حياته.
يرى (الكدو) أنَّ القاضي يجب أن يتَّصف بالشجاعة في قراراته، كما ينبغي أن يكون على معرفة تامة بالقوانين والأعراف، إضافة إلى تحلِّيه بالصبر، والضمير الحي. وأبدى (الكدو) ندمه على كلِّ السنين التي قضاها في مهنة القضاء، لأنه وجد نفسه بعد سنوات طويلة قضاها في المهنة، مازال يبحث عن استقراره المادي المفقود، فهو لا يتقاضى سوى 13 ألف ليرة راتباً تقاعدياً، بينما يتقاضى القاضي الجديد الذي لم يمضِ على تعيينه سوى عامين فقط  أكثر من 20 ألف ليرة من طابع اللصيقة فقط.. وفي هذا الصدد طالب (الكدو) بضرورة رفع رواتبهم التقاعدية بما يتوازى مع حجم الخدمات التي أدُّوها.
وعن أبرز قضية حكم فيها (الكدو) وتركت أثراً عميقاً في نفسه، قال: «من أبرز القضايا التي شاركت في إصدار الحكم فيها، ولاتزال حاضرة في ذهني، قضية تحديد وتحرير الأراضي في منطقة تل أبيض، حيث تخاصم أكثر من 100 فلاح مع أحد المزارعين حول أحقيتهم في تملُّك الأرض، وتمَّ إصدار الحكم لمصلحة الفلاحين، وعاد المزارع واستأنف قرار الحكم في دمشق، وربح الدعوى القضائية، فحدثت ضجة كبيرة على حكم محكمة الاستئناف، فصدر مرسوم رئاسي حينها بضرورة إعادة تطبيق ما نصَّ عليه قرار المحكمة الأول، وبذلك عادت الأرض إلى أصحابها الفلاحين، وهذا ما خلق شعوراً جميلاً داخل نفسي، وأنا أسهم في عودة الحق إلى أصحابه».
حفلت مسيرة (الكدو) المهنية الطويلة بالقصص الطريفة، إلا أنَّ ذاكرته التي أرهقتها متطلبات الحياة، وزخم سنوات العمل الطويلة، لم تسعفه إلا بواحدة، مفادها أنَّ رجلاً بدوياً دخل إلى مكتبه، بخصوص دعوى مقامة ضده، فدسَّ له بين الأوراق شيئاً ما، سرعان ما اكتشف أنه علبة سجائر أجنبية، يقول (الكدو): «بادرت إلى فتح علبة السجائر، وضيَّفت جميع الحاضرين منها، وأعدت إليه ما تبقَّى منها، فوصلت إليه الرسالة التي قصدتها من هذا التصرُّف»..
وعن حياته الاجتماعية بعد أن ترك القضاء، أشار (الكدو) إلى أنَّ تصرُّفاته كشخص لم تتغيَّر؛ فمازال صارماً في قراراته، ونبرة حديثه حادَّة، وهذا ما سبَّب له صدامات عديدة مع القضاة الجدد، كونه أصبح محامياً، مؤكِّداً أنَّ نظرته إلى الناس والمجتمع مازالت ذاتها، إلا أنَّ ما تغيَّر هو نظرة الناس إليه.
وفي ختام حديثه، نوَّه (الكدو) بأهمية المزايا المادية التي حصل عليها القضاة مؤخراً، في تحقيق استقرار مادي لهم يساعدهم على بذل أقصى طاقاتهم، مطالباً بضرورة منح كلِّ القضاة المتقاعدين مزايا الاستفادة من طابع اللصيقة، لأنهم من أوائل المطالبين بها.

الهاجس المادي دفع بعضهم إلى الاستقالة
أما القاضي السابق، خالد الأحمد، فله قصة مختلفة مع القضاء؛ حيث أمضى في المهنة تسع سنوات، بادر بعدها إلى تقديم استقالته، فما السبب الذي دفعه إلى الاستقالة؟.
يقول الأحمد: «تمَّ تعييني في القضاء عام 1981، وقدَّمت استقالتي في العام 1989، والسبب في ذلك مادي، حيث تراكمت عليَّ ديون كثيرة أثناء عملي قاضياً، وكانت الاستقالة هاجسي الدائم، إلا أنني كنت متردِّداً في اتخاذ هذا القرار، إلى أن حدثت معي حادثة طريفة كانت سبباً مباشراً في استقالتي».. وأردف الأحمد يروي لنا حكاية استقالته قائلاً: «جاءني ضيف يزورني في مكتبي، وهو أحد كبار شيوخ العشائر في الرقة، وصادف وقت وجوده أن جاءني المستخدم بظرف يحتوي على راتبي الشهري، وفتحت الظرف الذي يحتوي على ثلاثة آلاف ليرة، فرأيت علائم الدهشة ارتسمت على وجه الضيف، فسألني متعجِّباً، أنت قاضٍ أفنيت عمرك كله في الدراسة والتعب وراتبك 3000 ليرة فقط؟!، أنا يعمل لديَّ أكثر من راعي غنم، ويقبض كلُّ واحد منهم 2500 ليرة شهرياً.. وبعد هذا الموقف مباشرة كتبت استقالتي وقدَّمتها إلى المحامي العام، الذي سألني بدوره مندهشاً من موقفي، فأجبته: أنا أعمل قاضياً، أهدرت حياتي كلها حتى أصل إلى هذا المكان، ولا أقبل أن يكون راتبي الشهري مساوياً لراتب صبية يعملون في رعي الأغنام»..
وعن مدى تأثير مهنة القضاء في مزاجيته، قال الأحمد: «لم يطرأ عليَّ أيُّ تغيير أثناء عملي في القضاء، فالقاضي إنسان في الدرجة الأولى، وعليه أن يعي هذه النقطة جيداً، إلا أنَّ التغيُّر الذي طرأ بعد تركي القضاء، تجلَّى في تغيُّر نظرة العاملين في القصر العدلي، فهؤلاء عاملوني بطريقة غير محترمة»..
وطالب الأحمد بضرورة إيلاء القضاة المتقاعدين المزيد من الاهتمام وإشراكهم في المناسبات وزيادة رواتبهم التقاعدية بما يتناسب مع متطلباتهم.
 
 
قضية حاضرة في الذهن
وعن قضية لاتزال حاضرة في ذهنه، حدَّثنا الأحمد عن قصة حدثت معه في بداية عمله في سلك القضاء، ظلَّت تسكن ذاكرته بشكل دائم حتى بعد  تركه مهنة القضاء، يقول الأحمد: «أثناء تحقيقي في قضية مع شخص بدوي طاعن في السن كان قد تلقَّى عدداً من الطعنات في جسده أثناء مشاجرة مع شخص آخر، عرَّفته بنفسي على أني قاضي التحقيق وأريد استجوابه، فقال لي، أنت الآن قاضٍ وستكتب ما تريده، لكني أذكِّرك إن ظلمتني في حكمك أو أضعت حقي، بأننا سنقف أنا وأنت متخاصمين في محكمة الآخرة عند قاضٍ لا يضيع عنده حق، وهناك سآخذ حقي منك، وكانت كلمات ذلك البدوي ناقوساً يدقُّ في أذني ومنهج عمل لي طوال الفترة التي أمضيتها في القضاء»..
 
 
مازلتُ أتعامل مع الموكلين كقاضٍ أكثر من محامٍ
بعينين صغيرتين وعلى الرغم من أنهما رأتا الكثير من المشاكل والقضايا، وبابتسامته الخفيفة التي تحتلُّ حيِّزاً صغيراً من تضاريس وجهه، وكلماته الهادئة الواثقة؛ راح يحكي لنا بعضاً من أحداث مرَّت به خلال سنواته الثلاث والثلاثين في سلك القضاء، تلك المهنة التي على الرغم من الصرامة والجرأة التي تتطلَّبهما، إلا أنها لم تُفْقِده حسَّه الإنساني في التعامل مع كلِّ مَن أخطأ، واضعاً نصب عينيه أنَّ أيَّ حكم يصدره هو عمل إصلاحي، وليس عملاً انتقامياً من فرد قد تكون الظروف هي ما دفعه إلى اقتراف خطئه الأول، الذي قد يكون الأخير.
القاضي المتقاعد الأستاذ موسى مهنا جبارة، يجيب عن سؤال حول الجرأة التي يجب أن يتحلَّى بها القاضي لإصدار حكم قد يتحكَّم في مستقبل فرد ما مدى الحياة أحياناً، بالقول: «إنَّ القاضي الجزائي في كلِّ حالة من الحالات، أو أيِّ جرم من الجرائم التي تمرُّ عليه، يستطيع من خلال قانون العقوبات العام والقوانين الخاصة أن يتحرَّك ضمن مساحة قانونية، أو ما يُعرف بالحد الأدنى والأعلى لإصدار الحكم العادل، فيقوم القاضي بالحكم على هذا الأساس، مع ضرورة تبيان السبب في الأخذ بالحد الأدنى أو الأعلى طبعاً»، مضيفاً: «القانون منحنا صلاحية تخفيف العقوبة، فحتى إن حكمنا بالحد الأدنى مثلاً؛ ولنفترض أنَّ مدة الحكم قد تكون لسنة أو سنتين، فنحن نمتلك الصلاحية التامة في استخدام الأسباب المخفّفة أيضاً لإنزال فترة الحكم أو وقف تنفيذه لمدة ستة أشهر، من منطلق منح المخطئ أو المخالف فرصة، واعتبار أنّه أخطأ للمرة الأولى، لكن إن أخطأ خلال هذه الأشهر مرة أخرى، فإنَّ حكم الجرم الأول يتمُّ ضمُّه إلى حكم الجرم الآخر، لأنَّ هذا الفرد لم يستفد من الفرصة الممنوحة إليه، بل أصرَّ على ارتكاب الخطأ، وبالتالي وجب إيقافه عند حدِّه»..
ويدافع القاضي جبارة عن رؤيته هذه بقوله: «إنَّ العقوبة بالنسبة إلى أيِّ فرد من المجتمع هدفها ليس الانتقام، إنما الإصلاح، ليكون درساً يساعده على عدم تكرار الخطأ، والقاضي ليس جلاداً أو منتقماً، إنما هو إنسان وضع في هذا المكان ليحدِّد الوسيلة التي سيتمُّ من خلالها إصلاح هذا الإنسان»..
وعمّا إذا كان قد أصدر حكماً وندم عليه فيما بعد، يؤكِّد جبارة: «مستحيل، فالقاضي لا يحكم إلا بالأدلة الكاملة والقناعة الكافية، وإن لم يوجد هذا الدليل المقنع والثابت، فلا يمكن أن يصدر الحكم على الإطلاق، وهذا ما كنت أعتمد عليه على الرغم من أنَّ معظم القضايا التي كنت أحكم فيها كانت على درجة عالية من الحساسية، وكوني عملت قاضياً جزائياً في إحدى المراحل، جعلت من حريات وأموال وأعراض الناس ومسؤولية الحفاظ عليها واجباً ثقيلاً يقع على عاتقي، لذا كانت الأحكام تأتي بعد دراسة وتمحيص من أصغر الأحكام التي تتراوح بين الحبس لمدة شهر أو شهرين، وحتى الحكم بالإعدام.. وقد سبق أن حكمت بأحكام إعدام نُفِّذت في مدينة حلب. إذاً، الخطأ كان ممنوعاً، مع الحرص على عدم الاستعجال في إصدار أيِّ حكم إن استند إلى الشك وحده، بل يجب أن يترافق هذا الشك باليقين الواضح والمبرهن عليه»..
 وعندما سألنا جبارة عن قضايا حكم فيها بالإعدام ومازالت ماثلة في ذاكرته، قال: «نظراً إلى كثرة القضايا التي قد تمرُّ على القاضي خلال مسيرته، فقد لا تحتفظ ذاكرتنا بالكثير، لكن كان هناك العديد من القضايا التي جعلتنا نسهر لليلة أو ليلتين متواصلتين، حتى إنها قد تصل إلى درجة رؤية تفاصيلها في المنام، لكن من خلال التجارب يشعر القاضي بالصلاحية الممنوحة له، وهناك مبدأ يقول، إنَّ القاضي هو الذي يمسك القانون، وليس القانون مَن يمسك القاضي، والأمثلة كثيرة؛ فخلال خدمتي بصفتي قاضياً للتحقيق دهس أحد عناصر الشرطة عند خروجه من المنزل طفله الصغير بشكل غير متعمد أثناء رجوعه بسيارته إلى الخلف، فهل من الممكن أن أوقف هذا الأب المفجوع بسبب مقتل ابنه غير المقصود؟، وبالطبع فأنا أتحدَّث هنا عن ما يتعلَّق بالحق العام»..
ولم تخلُ مسيرة جبارة من الضغوط، لكنه يؤكِّد: «لم أكن أبالي بها نهائياً على الرغم أنها وصلت في مرحلة من مراحل حياتي القضائية إلى تلقِّي اتصالات من قبل وزراء في الحكومة، دون أن تغيّر من قناعاتي ومن أحكامي.. وللموضوعية، لم تكن هذه الضغوط تتعدَّى الوساطات والتوسلات والالتماسات؛ أي أنّها لم تصل إلى حدِّ التهديد بالقتل أو الإيذاء مثلاً، فهذه حقوق كنا مؤتمنين عليها، ولا يجوز التلاعب فيها تحت أيِّ ظرف من الظروف»..
وبما أنَّ لكلِّ مهنة- مهما بلغت صرامتها وجديتها- أموراً طريفة قد تحدث، يتذكَّر جبارة حادثة جرت أثناء وجوده في مدينة القامشلي بصفته قاضي تحقيق؛ حيث تمَّ الإبلاغ عن جريمة قتل من قبل عنصر في الشرطة، ليتبيَّن في النهاية أنَّ الخطأ الذي وقع فيه هو التسرُّع في إطلاق النار قبل تبيان الأمر، وبالنتيجة تمَّ إصدار الحكم العادل بحقه.
 
مازلت أتعامل مع الموكلين كقاضٍ
يتحدَّث القاضي جبارة عن انعكاس مهنته على أسرته ومحيطه الاجتماعي بعد تقاعده، فيقول إنها تنعكس إلى حدٍّ ما، لكن مع أهل بيتي لا أتعامل إلا بصفتي أباً وربّ عائلة، وفرداً في عائلتي الكبيرة.. أمّا مع الموكلين الذي أتعامل معهم الآن، فأحياناً أتعامل بنفسية القاضي عندما أشعر بأنهم يريدون توكيلي ليس لاستعادة حق، إنما للتلاعب على القانون من خلال استغلال اسمي ومكانتي بصفتي قاضياً متقاعداً، وهنا أقوم بالاعتذار منهم بشكل صارم من دون السماح لهم بتحقيق غايتهم، وإن لم تكن القضية صحيحة، فأنا أتعامل معها بصفتي قاضياً، حول ما يمكن الحصول عليه من نتائج لمعرفتي بهذه الأمور، لكن في النهاية يبقى القرار الأول والأخير لقاضي الحكم المكلَّف بهذه القضية.
 
بلدنا
 
سيريا كورت


 
2010-06-19 14:37:56


طباعة الموضوع
أرسله لصديق
شارك بالتعليق


-
-

 

استشارات قانونية

حقوق الإنسان

التشريعات السورية

الاجتهادات القضائية

المــــرأة والطفل

التشريعات الدولية

من أروقة المحاكم

مـقــــالات وأراء

الأسرةوالمجتمع

مساهمات القراء

مواضيع للحوار

جرائم وحوادث

أخباراقتصادية

أخبارمحلــية

أخبار دوليـــة

أخبار المحامين

أخبار القضاة

منوعــــــات

 

 

search

بحث سريع


الآراء والمقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها

Syria-Court - جميع الحقوق محفوظة ل

يسمح بإعادة النشر والاقتباس شرط الاشارة الى المصدر